الرئيسية » الآخبار » أخبار المركز » مدير المركز د. سامر أبو رمان يكتب للجزيرة … لماذا أخطأت استطلاعات الرأي بانتخابات أميركا؟

مدير المركز د. سامر أبو رمان يكتب للجزيرة … لماذا أخطأت استطلاعات الرأي بانتخابات أميركا؟

برغم أن استطلاعات الرأي في الانتخابات الأمريكية لها أرث طويل من الدقة والثقة ولم تفشل إلا نادراً منذ أكثر من سبعة عقود الا أن انتخابات هذه المرة جعلت بعض مستطلعي الرأي الأمريكيين الذين اشترك معهم بمجموعة نقاش متخصصة ضمن عضوية الجمعية الأمريكية لاستطلاعات الرأي العام AAPOR ، يترقبون نتائجها – عشية الانتخابات – بتوجس خاص لاحتمالية حدوث انتكاسة أخرى في تاريخ صناعة استطلاعات الرأي، وهو ما حدث فعلاً بعد فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب، والتي ربما تكون الأكثر وجعاً وأثراً داخل الولايات المتحدة وخارجها.
   هذا المقال يتناول بعض ملامح استطلاعات الرأي في الانتخابات وخصوصيتها في انتخابات الرئاسة الأمريكية ومسيرتها بالولايات المتحدة، و المعيطات التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار في فهم ما حدث من اخفاق معظم استطلاعات الرأي الأمريكية في التنبؤ بنتائج استطلاعات رأي الانتخابات الأمريكية 2016 ، و محاولة البحث عن مبررات وتفسيرات موضوعية ومنهجية هذه “الانتكاسة” ، وفي ثنايا المقال نذكر بعض الدروس المستفادة.
استطلاعات الرأي في الانتخابات الأكثر اثارة وخطورة
تعد الانتخابات من أكبر الفرص الذهبية التي ساهمت في نماء مسيرة استطلاعات الرأي، و ربما لا نبالغ اذا قلنا أن انتخابات الرئاسة الأمريكية هي سبب وجودها! و بقيت مثار اهتمام واستخدام مختلف الفئات من عامة الناس والمرشحين ووسائل الاعلام وغيرهم حتى قيل ” الانتخابات تجعل استطلاعات الرأي مجنونة” و أكثرها بالطبع انتخابات الرئاسة الأمريكية لدرجة طرح أسئلة افتراضية للعديد من شعوب العالم لمن سيصوتون في حال كان يسمح لهم التصويت بانتخابات الولايات المتحدة مثل مشروع Win_Gia Global poll on Us election ! هذا فضلا عن كونها تصبح حديث الناس يتناقلون أرقامها وانخفاضها وارتفاعها، و تغطية الصحافة لها وحتى في يوم الانتخاب تستمر بما يعرف بــ (استطلاع الخروج من الاقتراع Exit Poll)) !
وبرغم هذا الارتباط العميق بين الانتخابات واستطلاعات الرأي الا أن الأخيرة اشمل وأكبر من اقتصارها على انتخابات موسمية والنظر لدورها ومدى نجاحها وفشلها في التنبؤ بنتائج انتخابات لها خصوصيتها و محاذيرها ومخاطرتها مقابل عشرات الاستخدامات والفوائد والتأثير ليس هنا مكان سردها سواء كانت سلبية أو إيجابية .
ومع ذلك تبقى استطلاعات الرأي في الانتخابات بشكل عام تختلف عن غيرها من أنماط استطلاعات الرأي الأخرى، و استطلاعات انتخابات الرئاسة الأمريكية بشكل خاص تختلف أكثر وأكثر فالجميع يترقب نتائجها وتقلباتها أولا بأول وينتظرون نجاحها أو فشلها بفارغ الصبر ومن هنا يطلق عليها مسابقة الخيول Horse Race أو Trial Heats .
و استطلاعات الرأي في انتخابات الرئاسة الأمريكية هذه المرة تختلف أكثر عن غيرها حتى أصبحت حقل ألغام لمستطلعي الرأي؛ زاد من ذلك أن أحد أطرفها شخصية مثيرة للجدل “دونالد ترامب”، وما اكتنفها من أحداث وفضائح وتكتيكات وما تحت الطاولة وما فوقها من ممارسات ما زال يحاول الكثيرون اكتشافها.
مثل هذا الجانب من البيئة المضطربة تجعل من عملية استطلاعات الرأي أقرب للمغامرة ، وتصبح أداة قياس الرأي العام عامل مستقل يؤثر على عوامل تابعة يضلل ويغرر بالرأي العام بدل قياسه بحسن أو سوء نية! ، وربما هذا ما دفع البعض بالمطالبة بقتل مستطلعي الرأي باعتبارهم من المفسدين للعملية الانتخابية!
ولذا، قد تحجم بعض الجهات الاستطلاعية عن تنفيذ استطلاعات رأي بمثل هذه البيئة وهو ما أذكر حينما رفض مركز الآراء الخليجية اجراء استطلاعات رأي للمرشحين في الانتخابات الأولى لمجلس الأمة الكويتي بعد إقرار قانون الصوت الواحد، وما تبعه من ارتفاع نسبة الناخبين غير المقررين Undecided Voters مع دعوات المقاطعة وتذبذب قرار المشاركة عند ما يقرب من نصف الكويتيين.
ومن هذا المنطلق، تجد في العديد من الدول قوانين تمنع تنفيذ استطلاعات الرأي في موسم الانتخابات مع اختلافها بعدد أيام المنع قبل الانتخابات.
لم يكن خافياً أن ثمة خصوصية في بيئة الانتخابات الأمريكية هذه العام انعكس على مستطلعي الرأي بطريقة خرجت عن المألوف فعلى سبيل المثال أعلنت “وحدة استطلاعات الرأي في صحيفة الواشنطن بوست” انحيازها لهيلاري كلينتون! كذا بعض وسائل الاعلام الكبرى سواء من يجري منها استطلاعات رأي ومن لا يجري وهو ما يمكن أن يقود لاحتمالية انحياز غير شعورية لصالح كلينتون مقابل تعميق شعور بعض المشرفين على هذه الاستطلاعات بأن فوز ترامب قد يكون مستحيلاً برغم أن بعض الجهات اشارت لتقدم ترامب !
أسباب موضوعية للفجوة بين الاستطلاعات والانتخابات
يجتهد الكثيرون بمحاولة البحث عن تفسيرات كيف فاز ترامب ولماذا وستبقى هذه التفسيرات مثيرة للجدل ومناط اتفاق أو اختلاف مثل استخدام ترامب لوسائل التواصل الاجتماعي بشكل احترافي لدرجة التأثير و التضليل على الديمقراطيين أنفسهم واستخدام Inside the Trump bunker ، أو استراتيجية التركيز على الولايات الكبيرة والمحتملة، ومدى تأثير الفضائح من الطرفين و لا سيما فضيحة خصمه كلنتون في البريد الالكتروني، والنقاش حول الفرق البسيط في بعض الولايات بين اصوات المواطنين والمجمع الانتخابي وغيرها مما ذكره الكثيرون بعد الانتخابات والقليلون قبلها تناولت بعضها بمقال سابق بعنوان ” السخرية من ترامب، ولكنه قد يصبح رئيسياً لأمريكا !”
ويمكن أن نذكر هنا بعضها بما لها ارتباط بكيفية تأثيرها على نتائج استطلاعات الرأي حتى في اللحظات الأخيرة التي بقيت أغلب استطلاعات الرأي تظهر تفوق كلنتون.
– لم يكن خافياً منذ البداية، بأن ثمة حالة متأرجحة ما بين المغامرة و السخرية من المرشح الجمهوري ترامب، وتفاوت ما بين النخب من الأكاديميين والباحثين والمثقفين و ما بين شرائح أخرى من المجتمع الأمريكي لم يكن من السهل اظهار دعمها له مع نماء الصورة الذهنية العنصرية عنه بمعاداة الأقليات والأديان وثم النساء وغيرها مما يدفع هؤلاء للصمت بالإعلان عن تأييدهم لترامب العنصري أو الجنسي لاحقاً ضمن ما يعرف بنظرية دوامة الصمت حيث يسكت البعض خوفا من مخالفة الأغلبية أو التيار العام ذا الصوت العالي حتى حينما يسألون في استطلاعات الرأي يضطرون للكذب والكشف عن قناعتهم أمام صندوق الاقتراع السري.
– يبدو أن ترامب وفريقه أتقن جيداً كيف يخاطب فئة الناخبين البيض و الجدد من الشباب، وأكثرهم ينطبق عليهم الميل للمغامرة و تواضع تجربته وثقافته، وحالة إحباط اقتصادي وقلق من المستقبل مع وتيره محاربة الارهاب، فضلا على عدم وجود خبرات سابقة لهذه الفئة العمرية تسمح بمعرفه توجهاتهم الانتخابية، و لا سيما أنه لم يكن أكثرهم مشمولاً في مجتمع الناخبين بالانتخابات السابقة، ولعلنا نستذكر كيف كانت فئة الشباب البريطاني الأكثر مغامرة لخروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي.
– كان من حظوظ ترامب الذهبية ضعف منافسته وجنسها، والتي تشكل حالة جديدة على المجتمع الأمريكي قبول أن تقوده امرأة حتى لو كان مثالياً حينما أجاب على استطلاعات الرأي بأنه سيصوت لها خوفا من العنصرية ضد النساء! ولعل هذا الحدث أقرب ما
يعرف بتأثير برادلي حيث يميل الناخبون الأميركيون إلى الكذب على باحثي جمع البيانات باستطلاعات الرأي خوفاً من اتهامهم بالعنصرية ضد الأقلية أو فئة من فئات المجتمع و هو ما حدث تاريخياً مع المرشح الأميركي الأسود توم برادلي حينما خسر أمام منافسه الأبيض الجمهوري جورج دوكمجيان برغم تقدمه في استطلاعات الرأي، وفي هذا السياق استحدث مصطلح Shy Trumpers الداعمون الخجلون لترامب، وكما اقترح البعض اعادة دراسة سلوك المستجيبين وكم من الرجال قال أنه سيصوت لأمراء وكم من النساء قالت ستصوت لرجل .
أسباب منهجية وراء فشل استطلاعات رأي الانتخابات الأمريكية
تتعرض صناعة استطلاعات الرأي لتحديات وتهديدات منهجية عديدة لا ننكرها كمستطلعي الرأي دفعت بعض الجهات الاستطلاعية للتنحي عن تنفيذ استطلاعات رأي في ميدان حساس مثل ميدان الرئاسة الأمريكية، والتي من أبرزها منظمة غالوب لإشعار أخر حينما تتغير المعطيات العلمية وتصبح المخاطر لا تستحق المنافع، وتتنوع هذه التحديات بعدة مظاهر منها :
– تحدي فهم مجتمع الدراسة والوصول لعينات احتمالية تسمح بوضع المستجيبين في سلة واحدة ويكون لكل واحد منهم نفس الفرصة أن يختار في الاستطلاع، وكما تعاني صناعة قياس الرأي من انخفاض نسبة استخدام الهواتف الارضية الثابتة مقابل ارتفاع تكلفة الوسائل التقليدية مع اغراءات قلة تكلفة الوسائل التكنولوجية والالكترونية لدرجة دفعت تأسيس تحالفات مع شركات جمع البيانات الالكترونية مثل Survey Monkey مع الجهات الاستطلاعية مثل Washington Post وهو ما حدث في استطلاعات انتخابات الرئاسة الأمريكية في 50 ولاية، وما يفسره البعض بزيادة نسبة الخطأ فيها ولعل أمثلة استطلاعات الخروج من الاتحاد الأوروبي من الأسباب وأيضا بعض استطلاعات الرأي في الكيان الإسرائيلي.
– في ظل ضعف الاستجابة على أسئلة استطلاعات الرأي وما ينبثق عنه من خطأ عدم الاستجابة Non response error و لا سيما في الانتخابات وتحديداً السؤال عن اسم المرشح المضل أو لمن ستصوت، يصارع مستطلعو الرأي بحثاً عن مستجيب حيث وصلت لدرجة الاتصال على عشرين ألف شخص للحصول على ألف استجابة مكتملة وهو ما يحدث في الولايات المتحدة وغيرها منها الكويت من خلال ممارسة عملية في استطلاعات رأي الانتخابات.
– إن نقل أرقام استطلاعات الرأي دون محاولة تبيان هامش الأخطاء غير خطأ المعاينة الاحصائي Sampling error و الاحتمالات المتوقعة للتأثير على نتائج الاستطلاعات اصبح من أكثر المخاطر التي تحيط بهذه الصناعة و لا سيما باستطلاعات رأي الانتخابات دون غيرها، وهو ما لا يدركه المستطلعون أو ربما لا يرون أنه مطلوباً منهم أن يذكروه في التقارير، ومن ذلك أشكالية الفرق بين من قال أنه سيصوت ومن فعلا سيذهب لصناديق الاقتراع، وكم نسبتهم ؟ وما هو حجم الدافعية للتصويت لديهم ؟ حيث أن التجارب تقول أن 60% ممن يقولون أنهم سيصوتون يذهب منهم فقط 30-40% لصناديق الاقتراع، وهو ما يحدث اكثر عندما يكون مناصرو أحد المرشحين من المؤيدين الباردين كما هي عادة الديمقراطيين مقارنة بالجمهوريين وما يمكن أن يكون قد حصل مع كلنتون، وفي هذا السياق يقف مستطلعو الرأي بتحدي قياس ومعرفة هذه النسبة وحقيقتها يوم الانتخاب أو حتى مدى مهنية ذكرها في تقارير استطلاعات الرأي لضبط قراءة افضل للنتائج، وهو ما رأيت نفسي أقوم به في استطلاع رأي للشباب الأردني عن مشاركتهم في الانتخابات البرلمانية السابقة تحت عنوان ” هل فعلا سيذهب الشباب الاردني لصناديق الاقتراع؟”، ويضاف لهذا اذا عرفنا أن نسبة حماس التصويت لترامب أكثر من كلينتون من خلال اختيارهم لخيار ” حتما سأشارك وانتخب ترامب” وهو ما يسمى enthusiasm gap .
– ومما يرتبط بما سبق، عدم تنبة مستطلعي الرأي لمدى احتمالية تأثير الثقة الزائدة بنجاح كلنتون في استطلاعات الرأي على تقاعس الناخبين المناصرين لها باعتبارها العربة الفائزة واعتبار دونالد ترامب الخاسر، وهنا تصبح استطلاعات الرأي التي أكدت فوز كلنتون أحد أسباب فشلها وهذا ما كتبته شخصياً قبل أسبوع من موعد الانتخاب!
سيبقى ما حدث – بلا شك – ضربة للصحافة الكمية Data Journalism وصدمة لمستطلعي الرأي ليس فقط الأمريكيين، وانما من كل أنحاء العالم وهو ما دفع فوراً بمنظمة بحوث الرأي العام الأمريكية APPOR بتشكيل لجنة من الخبراء والباحثين والممارسين وأساتذة الجامعات بدراسة ما جرى تفصيلا ونشر النتائج بشفافية في مايو 2017، والاهم من ذلك أن هذه ليست المحطة الأولى في إخفاقات استطلاعات الرأي بهذه الصورة فقد سبقها محطة عام 1948، وكان من ايجابياتها احداث تغيرات جذرية في طريقة تنفيذ استطلاعات الرأي من حيث التقنيات والعينات وسبل التعرف على الناخبين المحتملين والمترددين وعرض الأخطاء بشفافية في اللقاءات المتخصصة حتى تم استعادة ثقة الجماهير وتثقيفهم وصولا لمرحلة الاعتراف الشرعي باستطلاعات الرأي متجاوزين الإخفاقات النادرة ومستذكرين مسيرة حافلة من نجاحات لا تخفى على المتتبع لمسيرتها.

شاهد أيضاً

مشرف عام المركز يقترح وضع مؤشر عالمي للحكم على قوة وفاعلية «بيئة قياس الرأي العام»

شاركت وحدة استطلاعات الرأي بمركز «مداد» في المؤتمر السنوي الواحد والسبعين لجمعية بحوث الرأي العام …